أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
207
العقد الفريد
تنفح بالمسك محاريبهم * وعنبر يقطبه قاطب « 1 » والخبز واللحم لهم راهن * وقهوة راووقها ساكب « 2 » والقطن والكتّان أثوابهم * لم يجلب الصّوف لهم جالب فأصبحوا قوتا لدود الثّرى * والدهر لا يقي له صاحب كأنما حياتهم لعبة * سرى إلى بين بها راكب وقال أبو حاتم : بين : موضع من الحيرة على ثلاث ليال . الشيباني قال : وجد مكتوبا على بعض القبور : ملّ الأحبّة زورتي فجفيت * وسكنت في دار البلى فنسيت الحيّ يكذب لا صديق لميت * لو كان يصدق مات حين يموت يا مؤنسا سكن الثرى وبقيت * لو كنت أصدق إذ بليت بليت أو كان يعمى للبكاء مفجّع * من طول ما أبكى عليك عميت « 3 » وقال محمد بن عبد اللّه : وعما قليل أن ترى باكيا لنا * سيضحك من يبكي ويعرض عن ذكري ترى صاحبي يبكي قليلا لفرقتي * ويضحك من طول اللّيالي على قبري ويحدث إخوانا وينسى مودّتي * وتشغله الأحباب عني وعن ذكري من رثى ولده فمن قولي في ولدي : بليت عظامي والأسى يتجدّد * والصبر ينفد والبكا لا ينفد يا غائبا لا يرتجى لإيابه * ولقائه دون القيامة موعد ما كان أحسن ملحدا ضمّنته * لو كان ضمّ أباك ذاك الملحد باليأس أسلو عنك لا بتجلّدي * هيهات أين من الحزين تجلد
--> ( 1 ) يقطبه : يمزجه . ( 2 ) الراووق : ناجود الشراب الذي يروق به فيصفى . ( 3 ) مفجع : متألم للمصيبة .